أحمد بن أعثم الكوفي

548

الفتوح

الصبح ، ثم بسط يديه إلى الله عز وجل فلم يقبضهما إلى أن طلعت الشمس ، ثم خفق برأسه خفقة ووثب إلى الماء ، فتطهر وعزم على الصلاة ، قال الربيع : فدنوت منه وقلت له : رحمك الله ! لقد أتعبت نفسك ، فقال : لأني أريد راحتها غدا ، فقلت له : يا أخي ! من أين لك المطعم ؟ فقال : إن ربي عز وجل قد تكفل لي بذلك ، وإني مني على بال ، يا ربيع ! فلا تعد إلى مثل هذا الكلام . قال : ثم مر أويس فلم يره بعد ذلك إلا هرم بن حيان العبدي ، فإنه قال : كنت أسأل عن أويس القرني مدة من عمري ، فلم يعطني أحد خبره ، حتى دخلت إلى الكوفة فسألت عنه ، فقيل لي : إن أكثر مأواه على شاطئ الفرات ، فإذا أنا به يغسل ثوبه ، قال : فعرفته بالصفة والنعت الذي نعت لي ، فدنوت منه وسلمت عليه ، فرد علي السلام ، قال : وخنقتني العبرة لما رأيت من سوء حاله ، فقلت : حياك الله يا أويس ! فقال : وأنت فحياك الله يا هرم بن حيان ! ولكن من دلك على موضعي هذا ؟ قال : فقلت ( 1 ) : دلني عليك من عرفني اسمك ، فقال أويس : سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا . قال هرم : فقلت له : رحمك الله ! من أين عرفت اسمي واسم أبي ولم أرك ولم ترني قبل اليوم ؟ قال أويس : إذا أخبرك يا هرم ! عرفت روحي روحك حين كلمت نفسي نفسك ، وإن المؤمنين يتعارفون بنور الله عز وجل فإن لم يلتقوا وإن نأت بهم الدار . قال هرم فقلت : رحمك الله ! حدثني حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحفظه عنك ! فقال أويس : إني لم أر ( 2 ) رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحدث عنه ولم تكن لي معه صحبة ، ولكن قد رأيت من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد انتهى إلي من حديثه كبعض ما انتهى إليكم ، ولست أحب أن أفتح هذا الباب على نفسي لاحد فأكون محدثا ، ولي في نفسي شغل عن ذلك يا بن حيان ، قال : فقلت له أتل علي شيئا من كتاب الله تعالى اسمعه منك ، وادع لي بدعوة ، وأوصني بوصية ! فقال أويس : نعم ، قال ربي وهو أفضل كل قائل وصدق وقوله أصدق الحديث : ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لعبين * وما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون * إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين * يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون * إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم * ) ( 3 ) قال : ثم

--> ( 1 ) حلية الأولياء 2 / 84 قلت الله عز وجل . ( 2 ) حلية الأولياء : لم أدرك . ( 3 ) سورة الدخان الآيات 38 - 42 .